صحافةمقالات

حالة هروب سوداني جماعي

عثمان ميرغنى

تابعت بكل متعة حواراً عبر الأسافير كان المتحدث الرئيسي فيه البروفيسور أحمد التجاني المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “الروابي” للألبان بدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة..استضافه عبر “زووم” المهندس محمد بلولة الرئيس التنفيذي للابتكار في جناح السودان بمعرض “اكسبو” السودان دبي.
التجاني قدم شرحاً مفصلاً ومدعماً بالأرقام للفرص الاستثمارية الهائلة التي تحتضنها أرض السودان البكر، و يزيد من قيمة هذه المعلومات تجربته الشخصية في إدارة واحدة من أنجح الشركات المتخصصة في منتجات الألبان..
والأرقام المليارية بالدولار التي يتحدث عنها خبيرنا الوطني التيجاني -في تقديري- ربما تكون أقل مما يمكن إنجازه فعلاً إذا ارتفعت الإرادة والهمة الوطنية لمستوى “الحلم السوداني” ولكن بكل يقين هناك كثير من المثبطات والكوابح التي تجعل فرص أي استثمار في السودان في ظروفه الحالية قصة فشل تضاف إلى مجلدات من القصص المستمرة لمستثمرين انطبق عليهم قول شاعرنا الكبير محمد المهدي المجذوب في رائعته “ليلة المولد” التي رفع صيتها في سماء الإبداع لحناً وأداءً فنانا الكبير عبد الكريم الكابلي عجل له الله له بالشفاء وتمام العافية.، يقول عن المولد:
(وردوه بالشوق.. وعادوا بالغبار)..
كثير من المستثمرين وردوا السودان بالشوق والعشم وعادوا بغبار الخيبة والخسائر المهينة.
ما لم تتحقق في السودان “دولة القانون” فلا مجال للحديث عن استثمار آمن، ورأس المال جبان يهرب لمجرد “اشاعة” عابرة فضلاً عن أن تكون قصص رعب مزلزلة مستمرة..
و “دولة القانون” ليست مجرد شعار أو هتاف أو تعويذة لجلب المال والاستثمار، هي مفردات محددة تبدأ بالمؤسسية التي تجعل المؤسسات حاكماً بدل الشخصيات، وتجعل القانون ملزماً للجميع تستوي تحته رقبة الزرافة والنملة بلا تمييز.
لكن الواقع الماثل الآن يبدو مختلاً من كل النواحي:
لا مجلس تشريعي
لا محكمة دستورية
لا مجلس القضاء العالي
لا مجلس النيابة الأعلى
لا رئيس قضاء
لا نائب عام..
مهما أحسن العالم الظن بنا، ومهما تلبسنا بحالة الثورة العظيمة فإن الواقع يهزم تماماً كل النوايا الطيبة ويجعلنا دولة بلا مؤسسات، لن تصلح لجذب دولار واحد إلا إذا كان صاحبه خريج أحد مستشفيات الأمراض العقلية.
بل ؛ حتى رأس المال السوداني يهرب وبصورة مخيفة إلى الخارج يبحث عن ملاذات آمنة في أي مكان في العالم..
قد لا يتصور البروفيسور التجاني أن هناك موجة هروب كبرى من السودان لمختلف المستويات المالية، يبيعون بيوتهم هنا في الخرطوم ويشترون الشقق في مصر أو تركيا أو الإمارات وهي الوجهات الثلاث المفضلة. كيف لرأسمال أجنبي يأتي لبلاد تهرب رؤوس أموالها الوطنية الكبرى والصغرى؟
لحسن الحظ، الإصلاح المطلوب سهل ولا يكلفنا مالاً ولا رهقاً، هو إصلاح تشريعي في المقام الأول، ثم مؤسسي في المقام التالي.. إصلاح كله بيد الحكومة التي يبدو أنها غير قادرة أو راغبة في النظر للاستثمار بجدية توازي جديتها في البحث عن المعونات الخارجية.
بكل أسف؛ نحن كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ، والماء فوق ظهورها محمول.

 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى