الصحة والجمال

قدمت 13 مليار دولار منحا واستثمارات لأفغانستان.. لماذا تعتبر الهند الخاسر الأكبر من وصول طالبان للحكم؟

نيودلهي– تفردت الهند بكونها الدولة الوحيدة من دول جنوب آسيا والدول المجاورة لأفغانستان التي أغلقت سفارتها وهجّرت مواطنيها بعد أن تمكنت حركة طالبان من السيطرة على كابل، كما أغلقت تباعا قنصلياتها في المدن الأفغانية بعد سيطرة طالبان عليها.
وإلى جانب سحب دبلوماسييها ومواطنيها من أفغانستان، أعلنت الهند نوعا جديدا من التأشيرات لسرعة دخول المواطنين الأفغان إلى الهند كما أعلنت ترحيبها بكل الهندوس والسيخ الأفغان الراغبين بالقدوم إليها.

جاء هذا التوجه الهندي بالرغم من أنه لم يكن هناك خطر يهدد مواطنيها ومصالحها عكس الدول الغربية التي كانت لها قوات في أفغانستان، ونحاول هنا أن نجيب على أهم الأسئلة التي تلخص الموقف الهندي الذي يراه مراقبون بأنه أبرز المتضررين من وصول طالبان للحكم من بين دول جوار أفغانستان.

  • كيف سيؤثر التغيير في كابل على وضع الهند داخليا وفي المنطقة؟

الوضع الجيوسياسي بالنسبة للهند تغير بصورة جذرية بعد عودة الطالبان إلى الحكم، وهي لن تكون حرة بعد الآن في تحركاتها في المنطقة، بل وحتى داخل الهند حيث ظلت الحكومة الهندية تنتهج سياسة استعداء المسلمين وتهميشهم.
الآن، ستكون السلطات الهندية أكثر حذرا في استعداء قطاع كبير من مواطنيها -المسلمين- الذين بدت أغلبيتهم مرحبة بالتغييرات في أفغانستان، مقابل تنديد المنظمات الهندوسية الموالية للحكومة، حتى إنها طلبت من الحكومة الوقوف مع أعداء طالبان.

  • ما موقف الحكومة الهندية من حكومات أفغانستان المتعاقبة منذ انقلاب داؤود خان المدعوم شيوعيا؟

اعترفت الهند بحكومة داود خان سنة 1973 وأقامت معها علاقات دبلوماسية، ثم أيدت الانقلاب الشيوعي الذي قام به حزبا “برتَشم” و”خلق” الشيوعيان سنة 1978، وكذلك أيدت الهند الغزو الروسي لأفغانستان في ديسمبر/كانون الأول 1979. ومرة أخرى عند اندحار القوات الروسية وقيام حكومة المجاهدين سنة 1996 تحت شعار “جمهورية أفغانستان الإسلامية”، ظلت الهند تعترف بها إلا أنها سحبت الاعتراف عندما وصلت طالبان إلى الحكم سنة 1996 للقضاء على التطاحن بين جماعات المجاهدين.
وعلى العكس، أيدت الهند حركة الاتحاد الشمالي “تحالف الشمال” التي بدأت تمردا مسلحا ضد حكومة طالبان، ثم أيدت الغزو والاحتلال الذي قامت به الولايات المتحدة وحلفاؤها سنة 2001 ثم اعترفت بالحكومة المدنية التي أنشأتها قوات الاحتلال برئاسة حامد كرزاي وأشرف غني.

  • كيف كانت مواقف الهند من أفغانستان عقب الغزو الأميركي؟

رفضت الهند الطلب الأميركي بإرسال قواتها إلى أفغانستان عقب الغزو، إلا أنها قررت القيام بمساعدات إنسانية وإنشاء البنية التحتية في أفغانستان، وقدمت حتى الآن معونات بقيمة 3 مليارات دولار لأفغانستان بما فيها 750 مليون دولار منحا مباشرة للحكومة الأفغانية إلى جانب تنفيذ الكثير من المشاريع مثل إنشاء 200 مدرسة وإنشاء مطارات وسدّ “سلمى” في هرات بتكلفة قدرها 290 مليون دولار، وغيرها من المشاريع.

  • ما قصة بناء الهند ميناء جابهار الإيراني واستخدامه للوصول إلى آسيا الوسطى؟

بما أن العلاقات الهندية الباكستانية دائمة التوتر، يضاف لها اتهامات الهند لجارتها بأنها وراء مشكلاتها في كشمير وغيرها من أنحاء الهند، فقررت نيو دلهي الاستغناء عن الطريق البري المار عبر باكستان للوصول إلى آسيا الوسطى وخططت الوصول إليها عبر بناء ميناء جابهار شرقي إيران واستخدامه للوصول إلى آسيا الوسطى عن طريق أفغانستان.

  • ما حقيقة الاتصالات الهندية بطالبان؟

تتكتم الحكومة الهندية على وجود اتصالات لها مع حركة طالبان، ولعل السبب في ذلك التأثير المحتمل لانفضاح هذه الاتصالات على الجبهة الداخلية في الهند فلقد ظل مسؤولو الحكومة الهندية والإعلام الموالي لها ينعتون طالبان بالإرهاب والانغلاق وعداء الهند والعمالة لباكستان، وهي اتهامات مستمرة إلى يومنا هذا.
ولكن من المعروف أن هناك اتصالات سرية بين الحكومة الهندية وطالبان، فقد زار وفد هندي برئاسة وزير الخارجية جاي شانكار الدوحة لمقابلة زعماء طالبان في يونيو/حزيران الماضي، كما التقى دبلوماسيون هنود زعماء طالبان في موسكو.

  • ما أهم الأمور التي نغّصت علاقة الهند بطالبان؟

تتهم الهند طالبان بإرسال مجاهدين للمشاركة في الحركة المسلحة في كشمير الهندية وهو اتهام ترفضه طالبان التي ردت بأن من توجهوا لكشمير قبل 3 عقود هم مجاهدون عرب كانوا في أفغانستان آنذاك.
كما أن الهند عبرت عن استيائها بشدة بعد أن سمحت حكومة طالبان بهبوط طائرة هندية مخطوفة بمطار قندهار سنة 1999، وأيضا غضبت الهند حين أقدمت طالبان على هدم تمثال بوذا في باميان سنة 2001.

  • هل هناك استثمارات هندية في أفغانستان؟

هناك استثمارات هندية ضخمة في أفغانستان وهذه تختلف عن المساعدات الإنسانية التي كانت الحكومة الهندية تقدمها لحكومة كابل عقب الغزو الأميركي.
فقد استثمرت الشركات الهندية الخاصة والحكومية 10.5 مليارات دولار في أفغانستان خلال العقدين الماضيين في قطاعات التعدين وإنشاء مصنع للصلب والحديد وإنشاء محطة طاقة ومد خطوط نقل الكهرباء وغيرها، وستذهب هذه الاستثمارات هدرا إن لم تقم الهند علاقات دبلوماسية مع حكومة طالبان مما سيسمح لها بالتحرك في أفغانستان واستعادة مشاريعها هناك.

  • ما التغير الجيوسياسي في المنطقة عقب عودة طالبان إلى الحكم وما مدى تأثيره على الهند؟

الهند بنت نظريتها الجيوسياسية على أساس أن النظام الأفغاني المعادي لباكستان سيستمر في كابل، وعلى ضوء هذا الاستنتاج بنت الهند سياستها المحلية وسياساتها إزاء دول الجوار. والآن ستضطر إلى إعادة النظر في تحالفاتها لأن الانسحاب الأميركي من أفغانستان خلق فراغا تحاول باكستان والصين وروسيا وإيران ملأه، وهي كلها دول معادية للولايات المتحدة، كما أنها باستثناء روسيا دول معادية للهند بدرجات متفاوتة، والهند ليست دولة عظمى حتى تفرض إرادتها على الآخرين.

  • ما موقف الهند داخليا إزاء طالبان بعد وصولهم إلى كابل؟

هناك بيانات وتحذيرات مستمرة من المسئولين الهنود وعسكريين متقاعدين والإعلام الموالي للحكومة الهندية بأن وصول طالبان إلى كابل يعني تجدد الإرهاب في المنطقة، وهؤلاء يتهمون طالبان بأنها حركة إرهابية ورجعية ومتعصبة وأنها سترسل الإرهابيين إلى كشمير وأنها ستتحالف مع باكستان للانقضاض على الهند.

  • ما رد فعل الهند المحتمل بعد عزلتها في المنطقة نتيجة قيام حكومة طالبان في كابل؟

طموحات الهند وأحلامها لدورها أصيبت بإخفاق كبير نتيجة التغيير في أفغانستان، ولتلافي عزلة مفاجئة، ستحاول الهند تحسين علاقاتها مع باكستان وهذا قد لا يؤدي إلى تسوية نزاعاتهما ولكن على الأقل سيؤدي إلى “سلام بارد” بينهما.
وهذا سيؤدي بالتالي إلى تخفيف الهند من قسوة سياساتها الحالية في كشمير وإعطاء الكشميريين نوعا من الحرية السياسية التي حرمت عليهم منذ سنتين حين ألغت الهند الاستقلال الذاتي لكشمير.

  • هل هناك إمكانية لعودة العلاقات الهندية الأفغانية إلى مجراها؟

يبدو مستحيلا أن تعود العلاقات الهندية الأفغانية إلى مجراها المعتاد بسبب وقوف الهند بدون تحفظات مع الغزو الأميركي ومع الحكومة التي أقامتها الولايات المتحدة في أفغانستان وبسبب سياسات الهند وتصريحات قادتها المستمرة حتى الآن ضد طالبان.
ولا يبدو أن الحكومة الهندية ستغير من سياستها إزاء حكومة طالبان -علنا على الأقل- وذلك بسبب تداعياتها على الجبهة الداخلية حيث تستغل حكومة مودي العداء للمسلمين باعتباره دعامة رئيسية لاستقطاب الهندوس وكسب الانتخابات المتتالية بفضل هذا الاستقطاب.
ولكن الحكومة الهندية تحاول سرا ترميم علاقاتها مع حكومة طالبان في كابل وهي تحاول توسيط موسكو لهذا الغرض.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى