تكنولوجيا

هل تساعد ألعاب الفيديو الأطفال أم تعبث بأدمغتهم؟

في كثيرٍ من الأحيان يُنظر إلى الأم التي تترك أطفالها لألعاب الفيديو أنها مستهترة وتفسد أدمغة أطفالها، لكن ذلك هو نصف الحقيقة، فقد تؤدي ممارسة ألعاب الفيديو، بما في ذلك ألعاب إطلاق النار العنيفة، إلى تعزيز تعلم الأطفال ومهاراتهم الصحية والاجتماعية وفقًا لمراجعة قام بها علماء النفس في أمريكا، تأتي الدراسة مع استمرار الجدل بين علماء النفس وغيرهم من المهنيين الصحيين بشأن تأثيرات وسائل الإعلام العنيفة على الشباب.

تقول “إيزابيلا جرانيك” من جامعة رادبود في هولندا: “لقد تم فعلًا إجراء بحث هام منذ عقود حول الآثار السلبية للألعاب، بما في ذلك الإدمان والاكتئاب والعدوانية، ونحن بالتأكيد لا نقترح تجاهل ذلك”. وتضيف: “إذا كانت ممارسة ألعاب الفيديو تجعل الناس أكثر سعادة، فهذه فائدة عاطفية أساسية يجب وضعها في الاعتبار.”

كما تشير البحوث إلى إمكانية أن تكون ألعاب الفيديو أدوات فعالة للتعلم بواسطة معرفة كيفية التعامل مع الإخفاقات المستمرة في الألعاب، مما يجعل الأطفال يبنون مرونة عاطفية يمكنهم الاعتماد عليها في حياتهم اليومية.

الصورة النمطية الأخرى التي يواجهها الباحثون هي العزلة الاجتماعية للاعبين، على العكس تمامًا فإن 70% من اللاعبين يلعبون مع صديق واحد على الأقل، حتى إنهم قد يشاركوا ملايين الأشخاص في جميع أنحاء العالم في عوالم افتراضية ضخمة في أثناء ألعاب الفيديو مثل “FarmVille” و “World of Warcraft”، الألعاب متعددة اللاعبين تخلق مجتمعات افتراضية لها قوانينها، فعن أي عزلة نتحدث هنا بالضبط؟

ورغم الجدل الدائر بشأن تصنيف إدمان ألعاب الفيديو كاضطراب عقلي ضمن الاضطرابات العقلية، تناولت عشرات البحوث الفوائد العلاجية لتلك الألعاب، إذ خلصت دراسة أجراها باحثون بجامعة كاليفورنيا الأمريكية إلى أن ألعاب الفيديو قد تكون قادرة على علاج الاكتئاب، من خلال ممارسة نوعية محددة من الألعاب، لا سيما تلك التي تعزِّز بعض وظائف الدماغ.

وفي بحث آخر، استطاع علماء من جامعة “ماكجيل” في مونتريال بكندا استخدام نسخة من لُعْبَة “Tetris”، في علاج أشخاص يعانون مرض العين الكسول الذي يؤدي إلى ضعف البصر في النهاية، وعن طريق التدريبات من المفترض أن يتعلم مخ اللاعب طريقةً أفضل لتنسيق الرؤية بين العينين، ومساعدة العين الضعيفة في إعادة اكتشاف كيفية رؤية الأشكال وتحسين إحساس العين بعمق تلك الأشكال داخل الصورة نتيجةً لذلك.

وفي السياق ذاته، كشفت دراسة علمية ألمانية نُشرت في مجلة “الطب النفسي الجزيئي” أن لُعْبَة “سوبر ماريو”، إحدى أنجح ألعاب الفيديو وأكثرها انتشارًا عبر أجهزة نينتندو اليابانية، تؤدي إلى تقوية بعض المناطق في الدماغ، لا سيما المسؤولة عن الاتجاهات وتدريب الذاكرة والتخطيط الاستراتيجي، إضافة إلى المهارات الحركية الدقيقة، بالتأكيد لا توجد ألعاب معينة قد تحسن وظائف المخ المعرفية، ولكن الفائدة تتعاظم في حال ممارستنا مجموعةً واسعةً من ألعاب الفيديو.

الجدير بالذكر أن شعبية ألعاب الفيديو تزداد كل ساعة، في العام الماضي حققت أكثر من 25 شركة ألعاب مثل Tencent و Sony و Microsoft صاحبة المرتبة العليا أرباحًا سنوية تزيد عن 100 مليار دولار أمريكي أول مرة، وفي نفس الوقت حققت صناعة ألعاب الفيديو في الولايات المتحدة أكثر من مبيعات تذاكر أفلام شباك التذاكر العالمية.

وبحلول عام 2021  وفقًا لشركة Statista سوف يلعب 2.7 مليار شخص ألعاب الفيديو، ليرتفع الإجمالي من 1.8 مليار قبل خمس سنوات، أظهر استطلاع Pew أن الفئة العمرية التي تلعب في أغلب الأحيان هي 18 إلى 29.3 في الفئة العمرية من 30 إلى 49 عامًا، حيث يلعب ما يقرب من 50 في المئة من الرجال و40 في المئة من النساء، كما أظهرت دراسة في أوروبا أن الأشخاص الذين يبلغون من العمر 45 عامًا أو أكثر هم أكثر عرضة لممارسة ألعاب الفيديو مقارنة بالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و14 عامًا.

بالطبع لن ألومك على التفكير في أن ألعاب الفيديو مثل العقاقير القوية، التي تقدم خيالات الهروب التي تحرم المراهقين من النوم والطعام حتى يصبحوا مجهدين وغير قادرين على العمل في العالم الحقيقي، من المؤكد أن هناك ما يكفي من قصص الرعب في الأدبيات النفسية على مر السنين لإثارة القلق من أن ألعاب الفيديو تلتهم عقول شباب العالم، لكن يجب العلم أن هذه الصورة السلبية عفا عليها الزمن، حيث يعتقد بيت إيتشل أستاذ علم النفس والاتصالات في إنجلترا ومؤلف كتاب جديد بعنوان “Lost in a Good Game” أن ألعاب الفيديو تصل إلى الأجزاء العاطفية والأخلاقية التي لا تستطع الفنون التقليدية والترفيه الوصول إليها.

بالنسبة إلى إيتشل وهو لاعب شغوف أيضًا تعدّ ألعاب الفيديو وسيلة إبداعية يمكنها  أن توفر لنا فرصًا لا مثيل لها لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنسانًا، كتب إيتشل أن ألعاب الفيديو تستفيد من تلك الرغبة البشرية الراسخة في السفر، والبحث عن تجارِب جديدة، واستيعاب المعرفة الجديدة حول العالم وعن أنفسنا.

” إنهم يحرروننا لاستكشاف منطقة عاطفية وجغرافية غير مألوفة وتعلم أشياء جديدة دون خوف أو قلق، ألعاب الفيديو توفر مكانًا آمنًا حيث يمكننا الاسترخاء كسياح رقميين براحة في منزلنا، وزيارة الأماكن التي قد لا يكون من الممكن الوصول إليها إلا في أقصى مخيلتنا، قد أذهب إلى أبعد من ذلك وأقول إن السفر في أماكن خيالية ينافس تجارِب السفر في أماكن حقيقية”.

لنرى كيف بدأت قصة ألعاب الفيديو، في عام 1953 عندَما تمكَّن بعض المختصِّين من إظهار “قملة” على شاشةٍ كبيرة مِن المصابيح وتحريكها باستخدامِ حاسوب ضخْم بلغتْ كلفته حينذاك ملايين الدولارات، تلتْها بعدَ ذلك محاكاة مبسَّطة لألعاب مثل الضامَّة والشطرنج.

وفي عام 1960 لاقت لُعْبَة حرْب الفضاء Space-War التي صمَّمها ثلاثةُ طلاَّب من معهد مساشوستس التقني MIT نجاحًا جعل الشركات المنتجة تقدِّمها هديةً قيِّمة مع الحاسوب، وفي هذه الأثناء صمَّم رالف باير Ralf Baer أوَّل جهاز بيتي لألعاب الفيديو أسماه: مانيافوكس أوديسي Magnavox Odyssey، وكان يحوي ثلاث عشرة لُعْبَة محملة على ست أشرِطة.

وكان الحدث الأبرز في تاريخ الألعاب الإلكترونية عام 1972 حيث أسَّس كلٌّ من نولان بشنيل Nolan Bushnell وتيد دابني Ted Dabney شركة ألعاب إلكترونية في الولايات المتحدة الأمريكية، وطرحَا لُعْبَة Pong التي سرعانَ ما لاقت نجاحًا منقطع النظير، وكانتْ اللعبة محاكاة مبسَّطة لرياضة كُرة الطاولة يمثِّل فيها المضربان بمستطيلين يتحرَّكان على طرَفي الشاشة عن طريقِ مقبضين في الجهاز تتحرَّك بينهما كُرة مربَّعة الشَّكْل، وبالفعل أقبل العامَّة على هذه اللُّعْبة لدَى اختبارها لأوَّل مرَّة في مقهًى، واستطاعتِ الشرِكة في مدَّةٍ وجيزة تحقيقَ نجاح كبير بتسويق أكثرَ مِن مئة ألف نُسخَة من هذا الجهاز.

ومع تطوُّر الحاسوب الشَّخْصي بات تراجُع أجهزة ألعاب الفيديو سَريعًا لدرجة جعلتْ بعضهم يصرِّح بأنَّ نهاية هذه الأجهزة أصبحتْ وشيكةً، وأخذتِ الشركات الكبيرة تتخلَّى واحدةً تلوَ الأخرى عن برامجها التطويريَّة في هذا المجال، إلا أنَّه في عام 1995 طرحتْ شركة يابانية عملاقة، وهي شركة سوني، جهازَ جديد باسم Play Station وهو جهاز مزوَّد بمكتبة واسعة مِن الألعاب بإمكانات عالية مِن حيثُ الصوت والصورة والسُّرْعة، وسرعان ما حذتْ حذوَها شركات يابانيَّة أخرى مما بعَث مِن جديد السِّباق على تطوير أجهزة الألْعاب وبرامجها وتسويقها.

ولتجاوز أي آثار سلبية محتملة لألعاب الفيديو يحتاج الأمر معادلة متوازنة باستخدام الألعاب المناسبة للفئة العمرية حتى لا يُحبس الأطفال داخل الشاشات بعيدًا عن ممارسة الحياة في الواقع، بشكل مبسط لا داعي للتنظير على الأجيال القادمة لكن قدّم لهم المساعدة التي يحتاجونها، لا أحد يريد أن يسمع عن كيف فادتك لُعْبَة “الاستغماية” في البحث عن آفاق جديدة لحياتك، دع تفاخرك جانبًا وقنن ما تخشاه ربما له فوائد لا تعلمها!

من المهم أن يكون استخدام الأطفال لألعاب الفيديو تحت توجيه الآباء وأن يلاحظ الآباء سلوكيات الأطفال خلال اللعب وبعده. يُفضل البَدْء من عُمر مبكر في النقاش مع الأطفال حول وقت الشاشات وتنظيمه كمًا ونوعًا، ولا سيما أن دراسات عدة توصي بألا يزيد وقت الشاشات للأطفال ما بين 2 و 5 سنوات عن ساعة واحدة باليوم، كما هناك بعض المواقع التي يمكن أن تساعدكم للحصول على الفئة العمرية المناسبة لكل لُعْبَة و تقييم اللعبة وآراء الآباء والأطفال عنها.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى